الحلقة المفرغة فيما وراع الشغب والعنف في ملاعب المغرب

0
121

foto007

   الشغب والعنف ظاهرة سلوكية اجتماعية تعيشها كل المجتمعات، لها جذور قائمة في طبيعة الكائن البشري في جوانب منها ذات الطابع النزوعي نحو الجنوح خارج القواعد الضابطة للعلاقات الاجتماعية فيما بين الأفراد والجماعات، بفعل حلقات التكوين الذاتي والاجتماعي التي تصاحبه منذ بذرته الوجودية الأولى بداخل بنياته المجتمعية، ولا يمكن وضع حد للنزعات العدوانية إلا بعوامل تسهم في بناء الكائن الإنساني بتقوية وتفعيل الجوانب الخيرة فيه .

   من بين مظاهر هذا الشغب والعنف المتجلية نصادفها في الملاعب الرياضية، من بينها ما نعيشه على مجريات اللقاءات الكروية المغربية سواء قبل أو بعد أو أثناء فصولها، التي تلحق العديد من الخسائر والأضرار سواء بالأرواح أو المنشآت، مما يخلق حالة من عدم الأمن والاستقرار في الحياة الخاصة والعامة للكيانات المجتمعية، أفرادا وجماعات ومؤسسات، ويسهم في المزيد من تفشي السلوكات العدوانية على خلفية أسباب لا تمت إلى القيم الإنسانية بصلة، بدوافع لها علاقة بالبنية النفسية والاجتماعية للجماهير الرياضية المغربية، في غياب وعي تام بما هو مستبطن في طياتها من خلفيات ثقافية، سلوكية، اجتماعية، سياسية، تربوية وحضارية، ليطرح التساؤل التالي ، لماذا تتكرر هاته المظاهر من الشغب والعنف في الملاعب الرياضية المغربية على الرغم من بعض المحاولات لبعض الفعاليات المدنية للحيلولة دون حدوثها؟ .

   إن ظاهرة الشغب هاته لا يمكن عزلها عن الأسباب البنيوية التي تعاش بداخل غالبية الأوساط المجتمعية المغربية، تحيلنا على فصول الحياة سواء في مجالها اليومي أو في علاقاتها بكل المؤسسات القائمة ببلادنا، كل سلوك بشري هو بحد ذاته تعبير على بنية من بنيات المجتمع، عن فكرة، عن تصور، عن رؤية، عن خلفية شعورية أو لا شعورية، عن محددات اجتماعية بكافة تلاوينها، في سياق اجتماعي معين، لذا وجب التدبر في أمر ظاهرة الشغب والعنف من قبل رواد الملاعب المغربية، بحسب رؤية شمولية، مع وجوب بحثها ودراستها بكل الأدوات والمناهج المعرفية، للوقوف على أسبابها الكامنة وراءها، مادامت أنها أصبحت تؤرق كافة مكونات المجتمع المغربي دون التعليلات والتأويلات الإلهائية والمموهة في بحثنا عن كل ألضوابط بكافة مستوياتها مع المكاشفة الصريحة مع الذات مهما كانت مواقع المسؤوليات، للكشف عن الحلقة المفرغة التي توجه السلوك اليومي للمغاربة في غالبيتهم، دون الوعي به والشعور بخطورته .

   فالكبت البنيوي الحاضن للفرد المغربي والجماعة معا في كل معطيات الحياة، والحرمان بكل أنواعه المادية والمعنوية، أحزمة البؤس في كل تجلياتها، غياب التنشئة التربوية والثقافية الفاعلة، فشل الأسرة ومؤسسات التعليم في غرس قيم المواطنة، والعنف المادي والرمزي الممنهجين في علاقات المسؤولين بالمواطنين، فشل السياسات العمومية في تلبية المطالب الاجتماعية والاقتصادية لعموم المواطنين، مفارقات الطبقية المقيتة بين مكونات المغرب المجالية والبشرية، غياب حلقات التأطير والتربية لدى مؤسسات المجتمع المدني، ضعف الشعور ، بل الأحرى انعدامه، لدى غالبية المواطنين بالكرامة الإنسانية في مجتمع أصبح عرضة الموضة ومظاهر الماديات، بحيث لا يشعر المواطن بكونه مواطنا فعليا ولا مكانة له إلا بالامتلاك المادي للأشياء، وبالوجاهة الاجتماعية في سلم المراتب بداخل الهرم المجتمعي، الإحساس الدوني الحاصل لدى غالبية الجماهير المغربية بعدم فاعليتها مما يحملها على محمل البحث على وسائل من ذات السلوكات العنيفة لإثبات الذات، ونهج أساليب العنف المضاد اتجاه ذواتها وكل مكونات الحقول المجتمعية، لفقدان السبل والطرق الكفيلة لعمليات التفريغ الهادفة والإيجابية في مساراتها الحياتية، كل هذا وغيره يجعل الغالبية العظمى من المواطنين في إمكانهم نهج سلوكات غير قويمة وصحية وحضارية، وهو ما يؤشر عليه، بالمحصلة، ما يمكننا مشاهدته من مشاهد مخزية للكرامة الإنسانية وقيم الانتماء للوطن، ومغيبة لقيم التحضر والتمدن، مزكية لأشكال الاستلابات البنيوية الحاجبة للوعي المطلوب .

   لا شك أن مظاهر الشغب والعنف في الملاعب المغربية هي من صميم العنف البنيوي الذي يعيشه المجتمع المغربي، في صوره المادية والمعنوية، مرتبط بأسباب كامنة بداخل المجتمع في كل بنياته، وهي انعكاس لواقع يكرس الحلقة المفرغة في بناء وتشكل البنيات الاجتماعية بشكل إنساني وحضاري معا .

بقلم / عبد المجيد بن شاوية          

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here