مثقفون تحت الحصار…

0
18

بما أن الإنسان يملك حيزا مهما من الكون، وله السيادة المثلى في تسخير المكونات الطبيعية لخدمته، حسب آلياته الفكرية والمادية، نجده يبحث وينقب، ويشتغل، ويفكر كيف يمكن الاستفادة منها دون أدنى تعب يذكر، وطبعا نفس الهدف عام وشامل في أي نقطة على وجه الكرة الأرضية، وما يخلفه الإنسان من بصمات في شتى المجالات الفكرية والحياة العملية تخلف أثرا ثقافيا محدودا أو لامحدودا، وبما أن الكرديين بنو آدميين أي من بني الإنسان له نفس المسعى دون شك ، سينحتون ثقافتهم بالتأكيد من معطيات البيئة، فإننا نصنف ثقافتهم ضمن ثقافة أصيلة وراسخة وخلفيتها تراثية غنية بإشكالات متعددة الجوانب، متصلة بكينونات أخرى سياسية واجتماعية مثلما الثقافات اللغوية المجاورة العربية و التركية و الفارسية، وغيرها من الثقافات الأخرى التي تحتضنها بلاد العراق .. الثقافة الكُردية المدونة متعددة ساحة الكرديين لم تكن ناشفة، لقد فرخت تربتها روادا وأمطرت سماؤها قامات شامخة، تقام لهم الدنيا ولاتقعد، في مختلف فروع المعرفة ومجالات الفكر ناهيك عن التشبث بلغتهم رغم اختلاطها بلهجات ولغات متعددة ، فكان أول من أسس للثقافة الكردية ووضع اللبنات الأولى لها الشاعر أحمد جزيري المعروف بـ ملاي جزيري، (حوالي 975م ـ ت 1055م) البداية الأولى لتدوين الثقافة الكُردية. وجزيري موسوعة ثقافية فهو عالم ومتصوف ديني كُردي، له إلمام واسع في الفلسفة والحساب والتصوف والدين وعلوم الشريعة ،كما حفظ القرآن منذ صغره ..و كان إلى جانب ذلك يتقن اللغة العربية يتقن والفارسية والتركية. له ديوان يحتوي على الكثير من القصائد قد تفوق المئة ،يغلب عليه طابع الغزل والعرفان والفلسفة. دوّن جزيري أشعاره باللهجة الكرمانجية الشمالية، وهي التي ينطق بها جلّ الأكراد الساكنين اليوم بين تركيا وسوريا وشمال غرب إيران. و برز في الشق الأدبي وفي الشعر بالخصوص الشاعرالمتصوف الكبير (بابا طاهر العرياني المزداد سنة 1010م) كأول شاعر كُردي دوّن رباعيات شعرية كُردية باللهجة اللرية. عكست أشعاره هذه النزعة التوحدية العميقة لديه. كما ظهرت شمس الكردي علي الحرير (المزداد سنة 1009م) كأقدم شاعر كُردي، وهو من بلدة حرير التابعة لمحافظة أربيل. له ديوان زاخر بالأشعار الجميلة. ويعدّ فقى تيران (ت 1375م) شاعراً مهماً جداً في الثقافة الكُردية. له (أشعار فقى تيران)، وديوان (شيخ سفان).غير أن الشاعر الأهم والأعظم هو أحمدي خاني المزداد سنة (1651ـ والمتوفي سنة 1706م) الذي يعتبرمن أعظم شعراء الكُرد على مرّ التاريخ ويلّقب بأمير الشعراء. فخاني ألّف في غضون خمسة عشر عاماً ملحمته الشهيرة (مم و زين) في ألفين وستمائة وستة وستين بيتاً من الشعر. كما ألّف (الديوان) الذي يحتوي على قصائد متنوعة. وله أيضاً (ربيع الأطفال) في مائتين وستة عشر بيتاً، ديواناً خاصاً بالأطفال. وألّف (عقيدة الإيمان) في سبعين بيت شعري، وهو ديوان تعليمي في علم الكلام والعقيدة الإسلامية، وله الربيع الجديد وهو ديوان شعر. وهناك شعراء آخرون مثل إسماعيل بايزيدي ( ولد عام 1689م) وله ديوان (كَولعوزار)، فضلاً عن قاموس ألّفه في اللغات الثلاث الكُردية والعربية والفارسية.كما تألق بعض الشعراء في الشعر ،فقد تألق مثقفون آخرون كرد في جوانب أخرى من الثقافة كالتاريخ والعلوم والفنون ويعتبر شرف خان البدليسي مؤلف شرفنامه (أول كتاب في التأريخ الكُردي) عالماً وشاعراً ذائع الصيت. فكان بدليسي وزير السلطان سليم الأول قد دوّن تأريخ أمراء الكُرد وأماراتهم بناء على طلب السلطان العثماني. وكان هناك العلّامة علي الترموكي (ولد عام 1000م) الذي ألّف في العلوم والفنون والفلسفة. ووضع كتاباً في النحو والصرف في اللغة الكُردية. كان شاعراً ورحالة يجوب البلدان والأمصار، وكسب معرفة واسعة وعقلاً ثقافياً راشداً.ولم تبلغ ثقافة الكرد هذا الحد فقط بل تعدت ذلك إلى الفولكلور والغناء والموسيقى نظرا لاحتكاكهم بالشعوب المجاورة حيث تبادلوا التأثر والتأثير ..فبرعوا في هذه الفنون ،رغم تحصين ثقافتهم، والانكباب على التراث فقط في حصار قومي شديد ،أدت الانفلاتات إلى تمازج الثقافات وتلاقحها .. محنة المثقف الكردي لقد تشجم المثقف الكردي تعب حرية التعبير، فكانت كتبه الساخنة تمنع من النشر أو تصادر من الأسواق إن كُتب لها النشر ..خاصة في خضم الأحداث الجارية اليوم في العراق كله، وحول كركوك خاصة، فالمثقف يلاقي قمعا ومحنة لامثيل لهما إذا ما أخذ على عاتقه مهمة نقد الأوضاع المتردية، أو فضح وتعرية المسكوت عنه، أو حاول قول الحقيقة ،أو الدفاع عنها ونشرها في أوساط الشعب الكردي، وكم من كتابات جريئة وموضوعية حول التصدي للفساد والظواهر السلبية الأخرى، قد أودت بحياة أصحابها ،أو زجت بهم في المعتقلات ..ولايقتصر الأمر في كورديستان فقط، بل تلاحقهم عصا الحصار والتشديد والتنكيل حتى في البلدان المجاورة ، مثل اشتداد وتيرة الحملة على المثقفين الكرد في سوريا، حيث أنه في الأسابيع القليلة الماضية اضطر عدد من المثقفين للهجرة القسرية بسبب ظروف الملاحقة الأمنية والتضييق على المعيشة، بينما لا يزال الشاعر مصطفى اسماعيل في السجن، وتم الحكم على حفيظ عبد الرحمن بالسجن سنة، وتم إلقاء القبض على الكاتب والصحفي سيامند ابراهيم بسبب اقتنائه كتابا أدبيا مترجما إلى الكردية. وبلغ التضييق على المثقفين ذروته حيث تمت مداهمة أحد المنازل في قرية “خراب رشك” في مساء 19-11-2010 كان مقرراً إقامة نشاط ثقافي في يوم الشعر الكردي، وتمّ سحب البطاقات الشخصية لعدد من القائمين على النشاط، وإحالتهم إلى فرع الأمن السياسي الذي قام بالتحقيق معهم وتوقيف كل من عمر إسماعيل وأحمد فتاح وعبد الصمد محمود.. كخاتمة :خصائص الثقافة الكردية الثقافة الكردية منحدرة من معطيات البيئة المحلية، تستخلص مادتها من مشاربها الحية ،حيث تكشف الغطاء عن المستور ،وتقتحم المسكوت عنه بجرأة دون قيود ،وتتمثل الأوضاع المزرية كما تراعها العين، وتسمع أناتها الأذن ..ومن وجهة أخرى هي الحافظة الأمينة للموروث من ثراء المكان.نظرا لما تتسم به من النرجسية القومية، لكن هذا لايمنعها من الانفتاح وتمزيق خط التقوقع رغم الاعتزاز بلغتهم وأصالتهم …

مالكة عسال

المراجع

*** ـ مقال رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في سوريا rewshenbirinkurd@gmail.com باريس 21-12-2010 ***ــ الثقافة الكُردية بين التأريخ والتكوين علي سيريني

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here