شعوب العالم تحت رحمة رصاصات شبكة المافيات العالمية : وثائق باناما المسربة نموذجا

0
52

   لتعلم الشعوب في كل بقاع العالم أن من يحكمها هم شبكة من المافيات العالمية، تتوزع أدوارها على الركح العالمي بحسب المواقع والمراكز والانتماءات، سياسيا ، أيديولوجيا، ماليا ، واقتصاديا، هذا ما يستشف من ” وثائق باناما ” المسربة، بل الأدهى من هذا أن كل ما هو معطى على أرض الواقع السياسي والاقتصادي والأيديولوجي العالمي هو واضح للعيان قبل أن تكشفه مصادر أخرى ، فقط أن الشعوب مغبونة بتفاهات النظام العالمي الجديد، وبسيمفونيات العدالة الغائبة أصلا وبخطابات الديمقراطية المترامية الأطراف هنا وهناك ، وبأوهام الحرية الاستعبادية ما دامت تحت رحمة رصاصات الرأسماليين والمتحكمين في دواليب السياسة والحكم والاقتصاد .

   بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سابقا ومعه كل تجاذبات التيار القطبي المتمثل في التوجه الفكري والمذهبي الاشتراكي، دخل العالم في مرحلة جديدة كان من المتوقع أن التيار اللبرالي سيعمل على إعادة ترتيب العالم بكل معطياته السياسية والاقتصادية والأيديولوجية تحت ريادة الولايات المتحدة الأمريكية بمعية من ينتمي إلى دائرة فلكها، فأصبحت شعوب العالم تحت قبضة كل التوجهات المذهبية للفكر والثقافة اللبرالية، جاثمة على صدورها كل أشكال الانتاجات المادية والمعنوية، جعلت منها كائنات تابعة ومستلبة في وعيها العام وفي تصوراتها كافة اتجاه الحياة بكل محدداتها، بفعل تأثير تجليات الفكر المادي المحض وكل صور الموضة، حتى أضحت معها كائنات آلية في مسلسل الاقتصاد المادي والرمزي المعولم، فتم تشييء كل شيء وكل العلاقات فيما بين الإنسان ومحيطه العام، باسم الحداثة وما بعدها .

   لقد تم تنويم المجتمعات في كل بقاع المعمورة بإغراءات المنتجات العلمية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية، مما جعلها تلهث وراء كل ما هو جديد من دون حساب أو توقع ما يمكن من سلبيات على حياتها عامة، حتى فيما هو قيمي وحميمي إنساني فيها، تلك الإنتاجات المتحكم فيها من قبل رواد الرأسمال اللبرالي المتمركز في العالم الغربي، هذا الأخير الذي يقيم تحالفاته المتعددة الأطراف المنتشرة في كل بقاع القارات الخمس، علما أن كل الدول والأنظمة أصبحت في بوتقة واحدة بحسب مرجعياتها المذهبية المتبناة رسميا للمذهب اللبرالي في إطار شبكة علائقية بين فواعلها، كل واحد منهم يقوم بأدوار لها ارتباط وثيق بشبكة المصالح المتبادلة على أساس ضوابط لعبة قائمة تستمد من طبيعة المواقع التي يحتلها في الهرم السياسي أو الاقتصادي أو الأيديولوجي بداخل الدولة والمؤسسات، سواء كان رئيس دولة أو رئيس حكومة أو رئيس مؤسسة مالية أو صاحب مجموعة اقتصادية أو زعيم شبكة مخدرات أو زعيم حزب سياسي أو برتبة عسكري نافذ في الجيش الوطني، وبهذا يكون الفاعل بداخل هاته الشبكات له موقع قدم على أرض الواقع الذي يخول له مسك خيوط اللعبة في علاقاته بالآخرين ولو بعدت المسافة .

   فالهيمنة على الشعوب أضحت إيديولوجية قائمة الذات بصلابتها وامتدادات صناعاتها المقولبة للبشرية في سلوكياتها، من جانب أحادي القطبية في تعالق مع الأطراف الأخرى ولو بخلق بؤر التوتر والدم والحديد والنار، حتى يستفيد أباطرتها من عائداتها المتعددة النتائج على جميع الصعد، لذلك لا عجب في ما يعتمل في كل جوانب الحياة بداخل المجتمعات، بهدف خلق المزيد من الفرص للسيطرة، فتجار السياسة والأسلحة والمؤسسات المالية والاقتصادية والمخدرات، يعملون على إبداع آليات التحكم في مصائر الشعوب وخنقها، وكذا يوهمونها بكونها تعيش الحرية والديمقراطية وتنعم بالعيش الرغيد والحياة الكريمة والعدالة الحقة والمساواة في الفرص المتاحة حتى في العالم الغربي ذاته، إلا أن كل هذا لا يعدو أن يكون غير ذر الرماد في الأعين تتقبلها الجماهير بسذاجة لا نظير لها بعد تسويق كل أشكال الموضة المادية والمعنوية وانبهارها بها.

   بعد كل هذا الكم من الفضائح عبر عقود من الزمن، والتي ملأت كل أرجاء المعمورة، وسوف لن تكون أخرها ما عرف الآن ب ” وثائق باناما “، التي برهنت على وجود خفافيش المافيات السياسية والاقتصادية والمالية الماسكة بمصائر الشعوب، ما على الشعوب في كل بقاع العالم إلا العمل على إعادة النظر في تصوراتها وتمثلاتها اتجاه كل ما يشكل حقول حياتها العامة والخاصة في علاقاتها الداخلية بحكامها وأصحاب الرساميل المادية والرمزية والخارجية معا .

                   بقلم / عبد المجيد بن شاوية

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here