مهزلة التوقيت الصيفي

0
57

مع هذه الحكومة التي جاءت في زمن المتناقضات، والتي استطاعت أن تركب على الثورات العربية وأن تركب على الربيع العربي الذي أثمر في بعض البلدان العربية مزيدا من الحرية وأثمر في أخرى مزيدا من المرض العضال والتفكك الاجتماعي، أصبح المغاربة على مرمى حجر من الكارثة، وأصبحت المفاجآت بالجملة، وأصبحت الحرب النفسية التي يشنها الحزب الحاكم (بين قوسين كبيرين) تتأجج نارها كل يوم ويأتي سعارها على الجميع، وأبرزها الزيادات العملاقة في الأسعار وتدمير عدد من الحقوق والمكتسبات التي جناها المغاربة منذ الاستقلال، بدءا من في الحق في الإضراب وانتهاء بالمس بالتقاعد ومرورا بتدمير الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين والقائمة طويلة جدا.

غير أن الحرب النفسية التي تحدثها زيادة ساعة على المواطنين بشكل تدميري ومرضي، تبدو مفارقة كبيرة في بلد متخلف كالمغرب، فأن تزيد ساعة أو أن تتحكم في الوقت معناه، أنك رائد في مجال الصناعات العملاقة، ورائد في مجال البورصات وتمتلك ناصية السوق الدولية، وتتحكم في البنوك العالمية، أما أن تزيد ساعة وأنت تعيش على القروض الدولية الربوية، وعلى فتات صندوق النقد الدولي، و ترزح تحت ثقل الأزمات المالية والاقتصادية ولا تستطيع التحكم حتى في نفسك، فهذا مما يعبر عن قلة خبرة ونقص في الوعي وتخلف شديد في ثقافة الزمن ذاتها.

صحيح أن زيادة ساعة عرفته الآونة السابقة لهذه الحكومة، وصحيح أن الدول المتقدمة التي يعد المغرب تابعا لها حتى في أرذل الأمور تزيد ساعة وتسميها تويقتا صيفيا، غير أن دواعي هذه الزيادة تبدو تافهة جدا مقارنة بما تخلفه من أزمات للمواطنين؛ نفسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية.

فعلى المستوى النفسي زيادة ساعة ونقص ساعة يؤثر، حتى في صيغته المفاهيمية، بشكل كبير جدا على شعورنا ووعينا وعلى نظام حياتنا، ويخلف بذلك صعوبات نفسية راجعة بالأساس إلى تغيير برنامج النوم واليقظة، فضلا عن الوعي المتغير بالزمن (الزمن النفسي) الذي يجعل المرء يعيش ضغط الوقت والاعتقاد بسرعة مروره، فضلا عن كون البعض الآخر الذي لا يعي بهذا التغيير، يجد ارتباكا شديدا في تعرف التوقيت ويعبر لسان حاله على ذلك بعبارة “هل هي الساعة القديمة أم الساعة الجديدة؟”.

واجتماعيا يؤدي هذا التغيير إلى تشنج على مستوى الأسرة سيما في مسألة التعامل مع الأطفال المتمدرسين، ما دام أنه ليس كل المواطنين موظفين، ومن جانب آخر، فالعلاقات الاجتماعية المبنية على نظام علائقي معين، ستجعل هذا النظام يرتبك نظرا لتفاوت المهن التي يقوم بها الناس، والديمقراطية الحقة تفرض ألا يخضع الجميع لنظام الوظيفة ونظام الإدارة عبر التوقيت المتغير.

واقتصاديا تتأثر مجموعة من القطاعات بهذا التغيير، ومن الصعوبة بمكان تكييف نظام العمل في الشركات وعلى مستوى قطاع الخدمات والنقل وغير ذلك مع هذه المتغيرات، ولذلك يجد المواطنين أنفسهم في بداية تغيير التوقيت أمام حرب معلنة في مجال المعاملات وفي التعامل مع الإدارات العمومية والمؤسسات التي يتعاملون معها.

وأخلاقيا يبدو أن جوهر هذا التغيير يمس آفاق التعامل مع الشعائر الدينية، خاصة الصلاة والصوم، فصلاة الفجر وفق هذا التغيير قد تصلى مع اقتراب السابعة، وتصطدم في ذلك بصعوبة الذهاب إلى العمل فور الانتهاء من الصلاة، وأقصى مشكل هنا يتعلق بأداء صلاة العيد، ولعل صلاة عيد الفطر بشكل خاص، تسجل عددا قياسيا من المهازل مع كل رمضان، لأن دولتنا السعيدة تنقص ساعة مع حلول رمضان، وتزيدها فور نهايته ضاربة عرض الحائط مشاعر المسلمين وإحساس المواطنين، ناهيك عما يحدثه التغيير قبيل رمضان من تحول نفسي زمني يجد المواطنين معه أنفسهم في مأزق مع الاعتياد على توقيت جديد.

وإذا كان الاستثناء المغربي، في غالب الأحيان، يفترض كون المواطنين المغاربة اعتادوا على التعامل مع الأزمات بكل أريحية، وتعودوا على أن يفاجئهم بنكيران بكل خيبة، دون أن يعبروا حتى عن تذمرهم بله قول كلمة حق في وجه الظلم والفساد، فأعتقد أنه حان الوقت لرفض مثل هذه العوائد السلبية التي تجسد التبعية للغرب في كل شيء، وتعبر عن غياب الديمقراطية من خلال غياب الاستماع للمواطنين، وأقل ما يمكن أن يعبر عنه المواطنين في هذا الباب هو التعبير عن موقفهم الرافض لزيادة ساعة لأنها لا تمثل لأغلبهم أي شيء، ولأن ما ينتظرونه ليس زيادة ساعة وإنما تخفيض ثقل الأسعار التي خربت نظام حياتهم ومعيشتهم، والزيادة في الرواتب، والتبشير بغد أفضل عوض الجري وراء السراب وذر الرماد في العيون.

اترك تعليقا

Please enter your comment!
Please enter your name here